الجصاص

121

أحكام القرآن

الوصية كاعتبارها بعد الدين ، وليس المراد بقوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) أن الموصى له يعطى وصيته قبل أن يأخذ الورثة أنصباءهم ، بل يعطون كلهم معا كأنه أحد الورثة في هذا الوجه ، وما هلك من المال قبل القسمة فهو ذاهب منهم جميعا . باب مقدار الوصية الجائزة قال الله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) ظاهره يقتضي جواز الوصية بقليل المال وكثيره لأنها منكورة لا تختص ببعض دون بعض ، إلا أنه قد قامت الدلالة من غير هذه الآية على أن المراد بها الوصية ببعض المال لا بجميعه ، وهو قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ) ، فأطلق إيجاب الميراث فيه من غير ذكر الوصية ، فلو اقتضى قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها ) الوصية بجميع المال لصار قوله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) منسوخا بجواز الوصية بجميع المال ، فلما كان حكم هذه الآية ثابتا في إيجاب الميراث وجب استعمالها مع آية الوصية ، فوجب أن تكون الوصية مقصورة على بعض المال والباقي للورثة حتى نكون مستعملين لحكم الآيتين . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) يعني في منع الرجل الوصية بجميع ماله على ما تقدم من بيان تأويله ، فيدل على جواز الوصية ببعض المال لاحتمال اللفظ للمعنيين . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تلقتها الأمة بالقبول والاستعمال في الاقتصار بجواز الوصية على الثلث ، منها ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن أبي خلف قالا : حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال : مرض أبي مرضا شديدا - قال ابن أبي خلف - بمكة مرضا أشفي منه ، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي ، أفأتصدق بالثلثين ؟ قال : " لا " قال : فبالشطر ؟ قال : " لا " قال : فبالثلث ؟ قال : " الثلث والثلث كثير وإنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فإنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك " ، قلت : يا رسول الله أتخلف عن هجرتي ؟ قال : " إنك أن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله لا تزداد به إلا رفعة ودرجة ، لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " ، ثم قال : " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة ! " يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة . قال أبو بكر : قد حوى هذا الخبر ضروبا من الأحكام والفوائد ، منها : أن الوصية